
المواشى والأغنام فى الشوارع تكشف عجز المحليات
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
لم تعد تربية المواشى والأغنام فى بعض المناطق مجرد مخالفة عابرة يمكن التغاضى عنها. بل تحولت إلى ظاهرة تفرض نفسها على الشارع. وتقتحم حياة المواطنين. وتحوّل بعض الشوارع والممرات السكنية إلى ما يشبه الحظائر المفتوحة. والمشكلة هنا ليست فى وجود حيوان فى مكان غير مناسب فحسب. وإنما فى منظومة كاملة من الإهمال والتراخى وغياب المتابعة. تجعل المواطن يدفع ثمن مخالفة لم يرتكبها.
المواطن الذى يسكن بجوار هذه الحظائر لا يملك رفاهية الهروب من آثارها. روائح كريهة تتسلل إلى الشقق. ومخلفات تتراكم فى الشوارع. وحشرات وقوارض تجد بيئة مناسبة للإنتشار. بينما يضطر السكان إلى إغلاق النوافذ والبلكونات معظم الوقت هرباً من الروائح. خصوصاً فى فصل الصيف. فى الوقت الذى يريد فيه الإنسان أن يفتح نافذته ليدخل الهواء إلى منزله. فيجد نفسه محاصراً داخل شقته بسبب مخالفة فرضها آخرون على المكان.
والأخطر أن يتحول الشارع العام. الذى يفترض أن يكون مرفقاً لخدمة الجميع. إلى مساحة خاصة لممارسة نشاط يضر بالسكان ويشوّه البيئة ويعطّل الإستخدام الطبيعى للطريق. فليس من حق أحد أن يحوّل جزءاً من الشارع إلى زريبة. أو أن يجعل الرصيف مأوى للمواشى والأغنام أو أن يقيم حظيرة بجوار مساكن المواطنين ثم يطلب من الجميع أن يتعايشوا مع الأمر الواقع.
لكن السؤال الأكبر هنا ليس فقط: من الذى يربى المواشى فى الشارع؟ وإنما: أين المتابعة من الأجهزة المحلية؟
كيف تستمر مخالفة ظاهرة أمام أعين الجميع دون أن تجد طريقها إلى المعالجة؟ وكيف يعرف بعض المخالفين بموعد الحملات قبل وصولها. فيتم نقل المواشى من الشارع وإدخالها إلى المكان الذى أُعد لها. ثم تعود الأمور إلى ما كانت عليه بمجرد إنتهاء الحملة؟
إذا كان المواطن يتصل بالحى للإبلاغ عن مخالفة. ثم يجد المخالف قد عرف بموعد الحملة قبل وصولها. فهذه ليست مشكلة مخالفة فقط. وإنما مشكلة متابعة ورقابة تحتاج إلى مراجعة حقيقية. لأن الحملة التى تصل بعد إزالة آثار المخالفة مؤقتاً لا تستطيع أن تكشف الواقع. والتصوير الذى يلتقط شارعاً خالياً من المواشى بعد إبعادها لا يعنى أن المشكلة إنتهت.
المطلوب ليس مطاردة المواشى فى الشارع لبضع ساعات. ثم تركها تعود مرة أخرى. المطلوب هو متابعة جادة تعتمد على الرصد المستمر. وعدم الإكتفاء بزيارة معلنة أو حملة يعرف موعدها المخالف مسبقاً. المطلوب أن تعمل الأجهزة المحلية وفق معلومات حقيقية عن أماكن المخالفات. وأن تتم المتابعة فى أوقات مختلفة. وأن تكون هناك مراجعة لما يحدث بعد إنتهاء الحملات. حتى لا تتحول الحملات إلى مجرد مشهد مؤقت أمام الكاميرات.
وهنا يجب أن نتحدث بصراحة عن الموظف الذى يرى المخالفة ولا يتحرك. أو يعلم بوجودها ثم يكتفى بتسجيلها دون متابعة حقيقية. أو يسمح باستمرارها تحت أى مبرر. الموظف العام ليس مجرد شخص يؤدى ساعات عمله وينصرف. وإنما هو جزء من منظومة مسؤولة عن حماية المرافق والشارع وحق المواطن فى بيئة آدمية.
ولا يجوز أن تصبح المخالفة معروفة للجميع. بينما تظل مجهولة فقط بالنسبة لمن يفترض أنهم مكلفون بمتابعتها.
كما أن التساهل مع المخالفات لا يصنع إستقراراً. بل يصنع ثقافة خطيرة عنوانها أن من يفرض الأمر الواقع يستطيع الإستمرار. وأن من يلتزم بالقانون هو الذى يدفع الثمن. وعندما يرى المواطن مخالفة تتكرر أمامه يوماً بعد يوم دون معالجة. يبدأ فى فقدان الثقة فى جدوى الشكوى. ويتحول من مواطن يحاول الحفاظ على منطقته إلى مواطن يائس من أى تغيير.
والأمر لا يتوقف عند الرائحة أو المظهر العام. البيئة غير النظيفة قد تساعد على إنتشار الحشرات والقوارض والميكروبات. كما أن تراكم المخلفات الحيوانية فى المناطق السكنية يمثل خطراً بيئياً وصحياً يستحق التعامل معه بجدية. وليس بمنطق أن الأمر بسيط أو أن الناس إعتادت عليه.
وهنا يأتى دور المحافظة والأجهزة المحلية وأجهزة المتابعة. أين تقارير المتابعة الدورية؟ أين مراجعة أداء الأحياء فى التعامل مع هذه الظاهرة؟ أين التأكد من أن المخالفة التى تمت معاينتها لم تعد بعد أيام؟ وأين المساءلة الإدارية عندما يتكرر البلاغ عن المكان نفسه دون نتيجة حقيقية؟
نحن لا نتحدث عن التضييق على أحد فى مصدر رزقه. ولا عن محاربة تربية المواشى أو الأغنام من حيث المبدأ. نحن نتحدث عن إحترام المكان وحق الآخرين. من أراد ممارسة نشاط يحتاج إلى مكان مناسب. فعليه أن يلتزم بالضوابط التى تمنع الإضرار بالسكان والمرافق والبيئة. أما أن يتحول الشارع العام إلى حظيرة. ثم يُطلب من المواطن أن يتحمل الرائحة والمخلفات والحشرات. فهذا ليس تنظيماً. وإنما ترك للمشكلة حتى تكبر.
المحليات لا تحتاج إلى حملات كثيرة بقدر ما تحتاج إلى متابعة حقيقية. والموظف الذى ينجح فى إخفاء المشكلة مؤقتاً لا يكون قد نجح فى حلها. والشارع الذى يظهر نظيفاً أمام الحملة. بينما تعود إليه المواشى بعد مغادرتها. ليس شارعاً تمت معالجة مشكلته. وإنما شارعاً تم إخفاء المشكلة فيه لساعات.
إن هيبة الإدارة المحلية لا تُقاس بعدد الحملات التى تُعلن. ولا بعدد الصور التى تُلتقط. وإنما بقدرتها على إنهاء المخالفة ومنع عودتها. والرقابة الحقيقية تبدأ من الموظف الذى يعرف واجبه. ثم من المسؤول الذى يتابع أداء الموظف. ثم من القيادة المحلية التى تسأل عن النتائج لا عن شكل التقارير.
المواطن يريد شارعاً نظيفاً. وبيئة سليمة. ونافذة يستطيع أن يفتحها دون أن تغلقها رائحة حظيرة. ويريد جهازاً محلياً يسمع شكواه ويتعامل معها بجدية. وهذا ليس مطلباً مبالغاً فيه. بل هو أبسط حقوق الإنسان فى المكان الذى يعيش فيه.
لقد آن الأوان أن تنتقل المحليات من رد الفعل إلى الفعل. ومن الحملات المؤقتة إلى المتابعة المستمرة. ومن معالجة الصورة إلى معالجة الحقيقة. فالمخالفة التى تختفى قبل وصول الحملة ليست مخالفة إنتهت. والشارع الذى يخلو من الأغنام والمواشى لساعات ليس دليلاً على نجاح الرقابة.
النجاح الحقيقى أن تختفى الظاهرة من الشارع. وأن يشعر المواطن أن هناك من يراقب ويحافظ على حقه. وأن يدرك المخالف أن إستمرار المخالفة ليس خياراً مفتوحاً إلى الأبد.
فالمحليات ليست جهازاً لإلتقاط الصور. وإنما جهاز لحماية الشارع. والرقابة ليست إخطاراً مسبقاً للحملات. وإنما عين مفتوحة لا تغفل عن المخالفة. أما المواطن. فليس مطلوباً منه أن يغلق نوافذه ويحتجز نفسه داخل منزله حتى يرضى المخالف عن الشارع الذى يعيش فيه الجميع.





